هكذا كسب مسلسل الحب الحقيقي الرهان الدرامي اللبناني | بقلم رشا الحلبي – اسطنبول

أزمة الإنتاج الدرامي في لبنان وصعوبات تسويق المسلسلات إلى انتشار ظاهرة الأعمال المشتركة التي رآها البعض حلاً ينقذ الدراما اللبنانية. واقعٌ فرض نفسه في السنوات القليلة الماضية، حتى باتت أي مبادرات إنقاذية للإنتاج اللبناني بمثابة خروج عن المألوف، فيُرشَقْ صاحبها بالحجارة من كل حدب وصوب.

أعمال عدة لم تسلم من الانتقاد، فذهب بعض النقاد والجمهور المهتم بالشأن الدرامي والناشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلى اعتبار أن تلك الأعمال تحمل مشاكل فنية لايمكن تجاوزها، بل ذهبوا إلى أكثر من ذلك معتبرين أنها تستخفّ بعقل المشاهد وإدراكه، خاصة مع وجود أعمال مقتبسة عن أعمال أجنبية اتهمت بأنها بعيدة كل البعد عن قضايا وواقع المجتمع.
إلا أن السلبيات تلك طغت بشكل كبير. فغاب احتضان المسلسلات اللبنانية الجديدة، والذي يفترض أن يشكل الدعم الملموس للإنتاج الدرامي اللبناني، والتشجيع الحقيقي للممثل اللبناني، ليستمرا معاً على طريق النجاح والتميز، سعياً لإعادة فتح الاسواق العربية التي فقدتها الدراما اللبنانية ابان الحرب المشؤومة.
مسلسل “الحب الحقيقي”، بجزئيه، عمل درامي لبناني، قرر تحدي هاجس الإنتاج اللبناني وصعوباته.

من إنتاج شركة

G8 production

أما التنفيذ فللمنتجة المنفذة مي أبي رعد. فهل نجح فريق الإنتاج في التحدي؟ إلى أي مدى تألق نجوم العمل؟ وهل أخطأ النقاد في التقدير؟

حين نتحدث عن مسلسل مثل الحب الحقيقي بجزئين، تجاوزت عدد حلقاته الـ100، فإن أعمال مماثلة تندرج تحت خانة “السوب أوبرا”. دراما بدأت في نصف الأخير من القرن الماضي مابين المكسيك والولايات المتحدة إلى أن انتقلت إلى دولنا العربية، بعد الإجتياح التركي للسوق. ما دفع عدد من صناع الدراما إلى محاكاة التجربة بأعمال مماثلة.
يبدأ جينيريك مسلسل الحب الحقيقي بتوضيح أن العمل “فورمات” مكسيكي. لا شيء يخفى على أحد، إلا ربما على من يدعي في نقده أنه اكتشف أمراً، حاول فريق العمل اخفائه!

ومن المنطلق المذكور؛ يظهر في العمل قصص عديدة مصغرة، لشخصيات مختلفة يرافقها المشاهدون خلال مواسمين تلفزيونيين (تصل في بعض اعمال السوب اوبرا الاجنبية الى اربعة مواسم). وفي الحب الحقيقي، شخصيات جمعها الحب الحقيقي للمال، السلطة، الحبيب، الزوجة، والإبن.

باميلا الكيك، استطاعت في دور نورا، أن تتألق، بنظرتها الى الحبيب الاول رامي، بكرهها للزوج راكان، ثم عشقها له، بحنانها لوالدها العزيز ونفورها من والدتها المتسلطة. على الرغم من ان الدور بحد ذاته غير مركب، بخلاف ادوار سابقة لباميلا، الا انها أدته بحرفية عالية كما عودت متابعيها.

جوليان فرحات، من الاعمال السينمائية إلى الشاشة الصغيرة الصغيرة، في اول اعماله الدرامية، استطاع ان يقنع المتابعين بشخصية راكان، وكسب الرهان الذي اوكل اليه دور البطولة. من راكان الهادئ الى الزوج المكروه، نقلنا جوليان مع الشخصية في مشاهده، حتى تعاطفنا معه ثم اعجبنا برومنسيته.

اندريه ناكوزي، او ليال. اسم سيرافقها دون شك لفترات قادمة؛ فهي احدثت ضجة غير مسبوقة في اوساط المتابعين. الفتاة البسيطة وصديقة الطفولة لراكان بالمزرعة؛ التي تكن له حبا يتجاوز الاخوة. ابدعت اندريه فتملكت الشخصية وهي بدورها تملكت الجماهير. قلبت موازين الاحداث مرات ومرات، فصارت دينامو المسلسل. مثلت بوجدانها واحاسيسها. بكل نظرة وكل رعشة، لغة الجسد كانت حاضرة وحقيقية. فاتقنت التقلب في دورها.

طارق سويد؛ استفزته شخصية كمال فعاد الى ساحة الدراما كممثل. الرجل الضعيف، المحافظ المتسلط في عمله، المعنف في منزله وغير المستقر نفسيا في داخله. شخصية بعيدة كل البعد عن طارق الانسان المتعاطف والخلوق والمتواضع. انفصام بين الشخصيات والواقع يبرهن قدرة التمثيل العالية التي يتمتع بها طارق سويد. انها بساطة التمكن والاحترافية في التمثيل.

نيكولا معوض؛ بدور رامي، الحبيب المتروك، بنظره مخدوع، وبنظرنا مظلوم. كان في السلك العسكري ثم خرج عن القانون وأُنصف ليعود مجددا ولكن في مركز مرموق. تزوج بمن أحبته ليستفز حبيبته السابقة نورا. شخصية حاول من حولها شدها الى ملعب الشر، فبقي متسمك بمعدنه الطيب، رغم سقطاته البسيطة في فخ الانانية والغيرة.

اما لمى مرعشلي؛ فابدعت بدور ميرنا الفتاة الغنية والبسيطة؛ التي يسهل خداعها. فكسبت تعاطف المتابعين او استفزت بعضهم الاخر.

ممثلين اخرين برزوا في العمل؛ مثل نهلا داوود بدور اسما، الام المتسلطة الجشعة؛ التي تلهث وراء المال؛ على حساب ابنائها ان تطلب الامر. واسعد حطاب بدور سامر الذي عاش حبه الحقيقي مع زوجة المحافظ. واليكو داوود بدور المحامي عزيز، الذي كان بمثابة الأب والمرشد لراكان، فنقل لنا هذه العاطفة من خلال حرصه الدائم عليه. وجان دكاش بدور ربيع الصديق الوفي لرامي .

هذا العمل الدرامي، طرح وجوه جديدة الى الساحة الدرامية، قدمت بقالب مميز، مثل الياس الزايك (وائل) وجيسيكا بستاني (هبة)، رنين مطر (ليزا)، ايلي شوفاني (عماد)، يارا فارس (رنا)، ريان ابي رعد (ريم).

واللافت ان اعتماد مي ابي رعد في العمل على الطاقات الشبابية لم ينحصر فقط بالممثلين؛ بل انحسب على المخرج الشاب جوليان معلوف الذي اخرج العمل بصورة مميزة، خلت بشكل لافت من الاخطاء الكبيرة، فاقتصرت على بعض الاخطاء البسيطة جدا؛ والغير جوهرية، مقارنة باعمال اخرى تدار تحت اشراف مخرجين ذو خبرة سنوات طويلة.
كذلك فإن الطاقم التقني من مدير التصوير والمصورين والمونتاج وغيرهم، بغالبهم خريجون جدد وشباب.
أما سيناريو ونص العمل فمن تأليف مجموعة من الكتاب الشبابية: لما مرعشلي وباسكال حرفوش (الجزء الأول) وجاد الخوري وجواد مزهر (الجزء الثاني). تمت «لبننة»

العمل بشكل يتماشى مع واقع المجتمع اللبناني. وبخلاف الانتقادات، فان الخيانة والحب والاعمال غير الشرعية كتجارة المخدرات والتسلط والجشع كلها موجودة في مجتمعنا اللبناني، وان حاولنا تجاهلها او وضعها في قالب غير مرئي.

وبالمحصلة؛ فإن مسلسل “الحب الحقيقي” كسب الرهان، ونقل هذا الواقع في جزئيه، وحافظ على الوتيرة نفسها منذ انطلاقة المسلسل. احداث أسرت المشاهد وشوقته بإيقاع سريع، بعيداً عن الملل والمماطلة في سبيل كسب الوقت على الشاشة. فمبروك لطاقم العمل على النجاح والاصداء الذي حصدها في المسلسل، وهنيئا للدراما اللبنانية بهذا العمل، على امل ان يكون دافعا لاعمال اخرى تصبو في خانة النهضة بالانتاج اللبناني الدرامي.

بقلم رشا الحلبي | ١٦ حزيران ٢٠١٨

ALHOB ALHAKIKI TEAM

صورة من احتفال طاقم الفريق بعد انتهاء تصوير الجزء الثاني

Advertisements

إبحثي عن السعادة | بقلم رشا الحلبي | 21/12/2015

كنت جالسة على مكتبي اليوم، مثقلة بالهموم، علامات اليأس والحزن رست على حاجبي. فجاء صديقي ليخفّف عنّي. وقال لي: “إبحثي عن السعادة”.
استوقفتني تلك الجملة. فبحثت عبر غوغل – وأنا في طريق عودتي إلى المنزل – ووجدت أن السعادة هي شعور بالبهجة والإستمتاع المنصهرين سوياً. وأن الشعور بالشيء هو حالة تجعل الشخص يحكم على حياته بأنها حياة جميلة ومستقرة خالية من الآلام والضغوط، على الأقل من وجهة نظره.
فقلت في نفسي، من منّا لا يحلم أن تكون سعادته أزلية؟ من لا يريد حياةً بعيدةً عن التعاسة، يصحو وينام دون أن يعكّر صفوه أي همّ؟ ولكن هل توجد تلك السعادة الأبدية وذلك الإنسان السعيد؟
* * * * * *
بعد أن أضعت وقتي في البحث عبر غوغل عن “تلك السعادة” – وسط زحمة السير التي لا تنتهي – قرأت: “السعادة هي بين يديك لكنك عبثاً تبحث عنها في مكان آخر”.
يا لطيشي! لو استوقفني تتمّة كلامه – وليس فقط الجملة الأولى – لما تكبّدت عناء البحث هذا!
* * * * * *
– “إبحثي عن السعادة”.
– “كيف؟”
– “إبحثي في داخلك، إكتشفيها، وتمكني من الوصول إليها”
– “لا أظنني يوماً شعرت بتلك السعادة التي تتحدث عنها”
* * * * * *
فكّرت. وبحثت. وعدت في الذاكرة. وتداركت أنني أخطأت.
سعادتي كانت عندما أنهيت دراساتي رغم المخاض الطويل.
سعادتي كانت عندما خطوت أوّل خطوة في مسيرتي المهنية.
سعادتي كانت عندما تذوّقت طعام جدّتي اللذيذ بعد عودتها من بلاد الغربة.
سعادتي كانت عندما قلت لنفسي “لا ولن أستطيع”.، ثمّ ثابرت وتحديت نفسي واستطعت.
سعادتي تكون عندما أرى دموع الفرح على وجنتي أمّي فخراً بي.
سعادتي تكون عندما أحضن هرّي “روسو” فيبادلني الحنان والحبّ.
سعادتي تكون، عندما أنظر إلى نفسي وأحمد الله على نعمه عليّ.
* * * * * *
السعادة، أن نرضى بقدرنا، أن نتفائل دوماً مهما حصل، أن نتغلّب على أحزاننا، أن نعلم دائماً أن هذه الحياة لا تستحقّ منّا أي لحظة ألم. السعادة ليست سهلة، هي حلمٌ… نريد أن نحلم به كلّ يوم – على أن يكون حلماً يمكن تحقيقه.
قد لا تكون السعادة بهذه البساطة. لكن ما هو مؤكّد أن البداية بهذه البساطة. والباقي على من يرغب فعلاً في أن يخفف من إرهاق الحياة، وما أكثره!

دعوا مدينتي تعيش! | بقلم: رشا الحلبي | 26/10/2014

بقلم: رشا الحلبي | 26/10/2014 


دعوا مدينتي تعيش!


لمدينتي طرابلس نهر توضأ من دماء أبنائها وحكاياتٌ منسية بين الأزقةِ.

جلتُ على الأسواق القديمة لطرابلس اليوم. ولأوّل مرّة أرى الأسواق حزينة!

لم أرى الناس ولم أرى بائعوا القهوة ولم أرى المقاهي ولم أرى الباعة ولم أرى البسطات. لم أرى الوجوه الباسمة رغم سوء أحوالها، ولم أرى التّجار يتباهون ببضائعهم، يعرضونها على الأرصفة. لم أرى الأطفال ولم أرى البسمات. لم أرى بائع الخرنوب ولم أشمّ رائحة الصابون من خان الصابون بل شممت رائحة البارود.

من تلك البسطة كنت أشتري السكاكر في طفولتي، وعلى تلك الأرصفة “كزدرتني” جدّتي، ومع هؤلاء الباعة تجادلت لخصم “كم ليرة” من مشترياتي، وفي هذا الزاروب اعتصرت جسدي ليمرّ في زحمة المارّة.

تختنق ذكرياتي و يتألم فؤادي.

من أنتم لتجعلوننا نشتم مدينتنا؟ من أنتم لتجبروننا على الجلوس في منازلنا؟ من أنتم لتهجّروا العائلات من مساكنها؟ من أنتم لتبقوا أسواقنا فارغة، ومحالّنا مقفلة، وأرزاقنا ضيقة؟ ماذا فعلنا لكم وماذا قدمتم لنا؟

يكفي عبثاً بأمن طرابلس ومصير أهلها… ودعوا مدينتي تعيش!

بقلم: رشا الحلبي | 26/10/2014 


souks