إبحثي عن السعادة | بقلم رشا الحلبي | 21/12/2015

كنت جالسة على مكتبي اليوم، مثقلة بالهموم، علامات اليأس والحزن رست على حاجبي. فجاء صديقي ليخفّف عنّي. وقال لي: “إبحثي عن السعادة”.
استوقفتني تلك الجملة. فبحثت عبر غوغل – وأنا في طريق عودتي إلى المنزل – ووجدت أن السعادة هي شعور بالبهجة والإستمتاع المنصهرين سوياً. وأن الشعور بالشيء هو حالة تجعل الشخص يحكم على حياته بأنها حياة جميلة ومستقرة خالية من الآلام والضغوط، على الأقل من وجهة نظره.
فقلت في نفسي، من منّا لا يحلم أن تكون سعادته أزلية؟ من لا يريد حياةً بعيدةً عن التعاسة، يصحو وينام دون أن يعكّر صفوه أي همّ؟ ولكن هل توجد تلك السعادة الأبدية وذلك الإنسان السعيد؟
* * * * * *
بعد أن أضعت وقتي في البحث عبر غوغل عن “تلك السعادة” – وسط زحمة السير التي لا تنتهي – قرأت: “السعادة هي بين يديك لكنك عبثاً تبحث عنها في مكان آخر”.
يا لطيشي! لو استوقفني تتمّة كلامه – وليس فقط الجملة الأولى – لما تكبّدت عناء البحث هذا!
* * * * * *
– “إبحثي عن السعادة”.
– “كيف؟”
– “إبحثي في داخلك، إكتشفيها، وتمكني من الوصول إليها”
– “لا أظنني يوماً شعرت بتلك السعادة التي تتحدث عنها”
* * * * * *
فكّرت. وبحثت. وعدت في الذاكرة. وتداركت أنني أخطأت.
سعادتي كانت عندما أنهيت دراساتي رغم المخاض الطويل.
سعادتي كانت عندما خطوت أوّل خطوة في مسيرتي المهنية.
سعادتي كانت عندما تذوّقت طعام جدّتي اللذيذ بعد عودتها من بلاد الغربة.
سعادتي كانت عندما قلت لنفسي “لا ولن أستطيع”.، ثمّ ثابرت وتحديت نفسي واستطعت.
سعادتي تكون عندما أرى دموع الفرح على وجنتي أمّي فخراً بي.
سعادتي تكون عندما أحضن هرّي “روسو” فيبادلني الحنان والحبّ.
سعادتي تكون، عندما أنظر إلى نفسي وأحمد الله على نعمه عليّ.
* * * * * *
السعادة، أن نرضى بقدرنا، أن نتفائل دوماً مهما حصل، أن نتغلّب على أحزاننا، أن نعلم دائماً أن هذه الحياة لا تستحقّ منّا أي لحظة ألم. السعادة ليست سهلة، هي حلمٌ… نريد أن نحلم به كلّ يوم – على أن يكون حلماً يمكن تحقيقه.
قد لا تكون السعادة بهذه البساطة. لكن ما هو مؤكّد أن البداية بهذه البساطة. والباقي على من يرغب فعلاً في أن يخفف من إرهاق الحياة، وما أكثره!

Advertisements

دعوا مدينتي تعيش! | بقلم: رشا الحلبي | 26/10/2014

بقلم: رشا الحلبي | 26/10/2014 


دعوا مدينتي تعيش!


لمدينتي طرابلس نهر توضأ من دماء أبنائها وحكاياتٌ منسية بين الأزقةِ.

جلتُ على الأسواق القديمة لطرابلس اليوم. ولأوّل مرّة أرى الأسواق حزينة!

لم أرى الناس ولم أرى بائعوا القهوة ولم أرى المقاهي ولم أرى الباعة ولم أرى البسطات. لم أرى الوجوه الباسمة رغم سوء أحوالها، ولم أرى التّجار يتباهون ببضائعهم، يعرضونها على الأرصفة. لم أرى الأطفال ولم أرى البسمات. لم أرى بائع الخرنوب ولم أشمّ رائحة الصابون من خان الصابون بل شممت رائحة البارود.

من تلك البسطة كنت أشتري السكاكر في طفولتي، وعلى تلك الأرصفة “كزدرتني” جدّتي، ومع هؤلاء الباعة تجادلت لخصم “كم ليرة” من مشترياتي، وفي هذا الزاروب اعتصرت جسدي ليمرّ في زحمة المارّة.

تختنق ذكرياتي و يتألم فؤادي.

من أنتم لتجعلوننا نشتم مدينتنا؟ من أنتم لتجبروننا على الجلوس في منازلنا؟ من أنتم لتهجّروا العائلات من مساكنها؟ من أنتم لتبقوا أسواقنا فارغة، ومحالّنا مقفلة، وأرزاقنا ضيقة؟ ماذا فعلنا لكم وماذا قدمتم لنا؟

يكفي عبثاً بأمن طرابلس ومصير أهلها… ودعوا مدينتي تعيش!

بقلم: رشا الحلبي | 26/10/2014 


souks

أنا طرابلس اللبنانية | بقلم رشا الحلبي

عمري 6000 سنة. لبنانية منذ أكثر من 10 سنوات، بل أكثر بكثير. قيل لي أن جذوري في عُمق التاريخ. تَرْقى إلى ثلاثة آلاف وخمس مئة عام. تغزّل في شعراء العرب، أهدوني أجمل الصفات. لقبوني بالفيحاء.

لي أبناء وأحفاد تجاوز عددهم الـ 600 ألف. أحتضنهم جميعاً بين يداي في مساحة لامست الـ 20 كلم2 . أحبهم جميعاً.

يسكنون أبي سمراء، القبة، جبل محسـن، باب التبانة، السويقة، الجسرين، الميناء، عزمي، باب الرمل، ضهر المغر، البحصاص، المعرض، الزاهرية، باب الحديد، التل، البداوي، والمئتين.

تتشعّب هذه المناطق والحارات، تتشعب بدروبها وأزقّتها الملتوية تحت عقود الدّور والمنازل، تحوّلت في معظمها إلى سراديب ودهاليز لا يعرف السيّر فيها إلاّ أبنائي وأحفادي.

أشتهر بصناعة الحلويات. حلوياتي ذاع صيتها في كل أرجاء الوطن وتعدى الحدود والجغرافيا حتى أضحت الحلويات ملازمة لعراقتي وأصالتي الموصولة عبر تاريخي القديم العابق بالتراث. صناعة الحلويات هذه ازدهرت منذ نحو القرنين من الزمن، فلمعت أسماء عائلات عديدة من أبنائي.

ألفّ وأدور وأطيل الحديث ولكن أعود لذكر أبنائي.

أبنائي شقوا، تعبوا، منهم من أصبح عاملاً كادحاً، ومنهم العاطل عن العمل. ولكن أبرز من آتي على ذكرهم هم أبنائي الذين تربعوا على عروش السلطة.

حبّ السلطة والتملك والتطلع للمناصب وطلب الرفعة والتهافت والتطلع للأعلى نزعة وغريزة، تملّكوا بعض أبنائي. فإذ بأبنائي تحولوا إلى وحوش كاسرة رهينة شهواتهم التي لا تنقضي. أخذهم الزهو ونفش ريشه. طال عليهم الأمد ولا رقيب عليهم ولا حسيب. أفتنتهم السلطة ببريقها وأضواءها. هضموا حقوقي.

“ولو هيك بتطلعوا منّا وما بتعودو تسألو عنّا؟”. موّال بت أردده يومياً. “رزق الله” على الوعود التي قطعها لي أبنائي. ما أسهل أن نطلب المسؤولية ونجري خلفها ونلهث لتقلدها، وما أصعب أن نكون أوفياء لمبادئنا ووعودنا.

ولا أكاد أنجو من ظلم أبنائي، حتّى  تأتي عمّتي – شقيقة أبي “لبنان” – وتفض كيل غضبها على من تبقى من أبنائي. هي “الشقيقة” التي يخافونها، فيتمنّع أبي عن توبيخها.

جميعهم متآمرون.

يسحقوني، يدمروني، يشرعنون قتل أبنائي، ويشطبون من القاموس حقوق الانسان، يبررون كل الانتهاكات والمظالم التي تحدث بحقّي. يحشدون أبنائي بأحاديث وأوهام عبر المبالغة والتضخيم والتزييف والترهيب. يصنعون الخوف. يصمون آذانهم ويغمضون أعينهم. يتسارعون ليشككوا في وطنيتي ومقاصدي ويستمرون في غيهم يعمهون. يسلبوني حريتي وأنا على يقين أنهم لن يمنحوني إياها مرة أخرى. ما يتذرعون أنه مؤقتاً سيغدو مؤبداً. و الإستثناء سيصبح أصلاً.

هل رأيت من يساقون للذبح وهم يرقصون؟ هل رأيت من يمدون أيديهم لأغلال السجان وهم يصفقون؟ هل رأيت من تطأ الأقدام رؤوسهم فيهللون؟ هل رأيت من يسامون الذل والهوان ومن المزيد يطلبون؟

قالوا لي: أنتِ تحتكرين الحقيقة. لا تصدقوهم ولا تخضعوا لابتزازهم. فالحقائق واضحة لمن يبصر والجراح نازفة حية توقظ من به بقايا ضمير.

كلكم تتآمرون. تتآمرون بجهلكم، بانسياقكم، بخوفكم، بخضوعكم، بصمتكم، بكذبكم، بنفاقكم. بعضكم يتآمر طمعاً ورغبة في مغنم، متآمرون على أحلام أبنائي شبابي و دماء شهدائي.

ولكن كونوا على يقين أنكم مهما ارتدتوا أثواب التبرير والموازنات والمرحليات والتنظيرات الانبطاحية، سيأتي يوم تلعنكم فيه الأجيال القادمة.

فهل علمتم من أنا؟ أنا طرابلس اللبنانية.

بـــــقــــــلـــــم رشــــا الـــــحـــــلـــــبـــــي – 21/3/2014

Image