أنا طرابلس اللبنانية | بقلم رشا الحلبي

عمري 6000 سنة. لبنانية منذ أكثر من 10 سنوات، بل أكثر بكثير. قيل لي أن جذوري في عُمق التاريخ. تَرْقى إلى ثلاثة آلاف وخمس مئة عام. تغزّل في شعراء العرب، أهدوني أجمل الصفات. لقبوني بالفيحاء.

لي أبناء وأحفاد تجاوز عددهم الـ 600 ألف. أحتضنهم جميعاً بين يداي في مساحة لامست الـ 20 كلم2 . أحبهم جميعاً.

يسكنون أبي سمراء، القبة، جبل محسـن، باب التبانة، السويقة، الجسرين، الميناء، عزمي، باب الرمل، ضهر المغر، البحصاص، المعرض، الزاهرية، باب الحديد، التل، البداوي، والمئتين.

تتشعّب هذه المناطق والحارات، تتشعب بدروبها وأزقّتها الملتوية تحت عقود الدّور والمنازل، تحوّلت في معظمها إلى سراديب ودهاليز لا يعرف السيّر فيها إلاّ أبنائي وأحفادي.

أشتهر بصناعة الحلويات. حلوياتي ذاع صيتها في كل أرجاء الوطن وتعدى الحدود والجغرافيا حتى أضحت الحلويات ملازمة لعراقتي وأصالتي الموصولة عبر تاريخي القديم العابق بالتراث. صناعة الحلويات هذه ازدهرت منذ نحو القرنين من الزمن، فلمعت أسماء عائلات عديدة من أبنائي.

ألفّ وأدور وأطيل الحديث ولكن أعود لذكر أبنائي.

أبنائي شقوا، تعبوا، منهم من أصبح عاملاً كادحاً، ومنهم العاطل عن العمل. ولكن أبرز من آتي على ذكرهم هم أبنائي الذين تربعوا على عروش السلطة.

حبّ السلطة والتملك والتطلع للمناصب وطلب الرفعة والتهافت والتطلع للأعلى نزعة وغريزة، تملّكوا بعض أبنائي. فإذ بأبنائي تحولوا إلى وحوش كاسرة رهينة شهواتهم التي لا تنقضي. أخذهم الزهو ونفش ريشه. طال عليهم الأمد ولا رقيب عليهم ولا حسيب. أفتنتهم السلطة ببريقها وأضواءها. هضموا حقوقي.

“ولو هيك بتطلعوا منّا وما بتعودو تسألو عنّا؟”. موّال بت أردده يومياً. “رزق الله” على الوعود التي قطعها لي أبنائي. ما أسهل أن نطلب المسؤولية ونجري خلفها ونلهث لتقلدها، وما أصعب أن نكون أوفياء لمبادئنا ووعودنا.

ولا أكاد أنجو من ظلم أبنائي، حتّى  تأتي عمّتي – شقيقة أبي “لبنان” – وتفض كيل غضبها على من تبقى من أبنائي. هي “الشقيقة” التي يخافونها، فيتمنّع أبي عن توبيخها.

جميعهم متآمرون.

يسحقوني، يدمروني، يشرعنون قتل أبنائي، ويشطبون من القاموس حقوق الانسان، يبررون كل الانتهاكات والمظالم التي تحدث بحقّي. يحشدون أبنائي بأحاديث وأوهام عبر المبالغة والتضخيم والتزييف والترهيب. يصنعون الخوف. يصمون آذانهم ويغمضون أعينهم. يتسارعون ليشككوا في وطنيتي ومقاصدي ويستمرون في غيهم يعمهون. يسلبوني حريتي وأنا على يقين أنهم لن يمنحوني إياها مرة أخرى. ما يتذرعون أنه مؤقتاً سيغدو مؤبداً. و الإستثناء سيصبح أصلاً.

هل رأيت من يساقون للذبح وهم يرقصون؟ هل رأيت من يمدون أيديهم لأغلال السجان وهم يصفقون؟ هل رأيت من تطأ الأقدام رؤوسهم فيهللون؟ هل رأيت من يسامون الذل والهوان ومن المزيد يطلبون؟

قالوا لي: أنتِ تحتكرين الحقيقة. لا تصدقوهم ولا تخضعوا لابتزازهم. فالحقائق واضحة لمن يبصر والجراح نازفة حية توقظ من به بقايا ضمير.

كلكم تتآمرون. تتآمرون بجهلكم، بانسياقكم، بخوفكم، بخضوعكم، بصمتكم، بكذبكم، بنفاقكم. بعضكم يتآمر طمعاً ورغبة في مغنم، متآمرون على أحلام أبنائي شبابي و دماء شهدائي.

ولكن كونوا على يقين أنكم مهما ارتدتوا أثواب التبرير والموازنات والمرحليات والتنظيرات الانبطاحية، سيأتي يوم تلعنكم فيه الأجيال القادمة.

فهل علمتم من أنا؟ أنا طرابلس اللبنانية.

بـــــقــــــلـــــم رشــــا الـــــحـــــلـــــبـــــي – 21/3/2014

Image